الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
300
موسوعة التاريخ الإسلامي
قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكّة : لو أبصرت لي غنمي ، حتّى أدخل مكّة فأسمر « 1 » بها كما يسمر الشباب فخرجت أريد ذلك ، حتّى إذا جئت أوّل دار من دور مكّة سمعت عزفا بالدفّ والمزامير ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : هذا فلان تزوّج ابنة فلان . فجلست أنظر إليهم ، فضرب اللّه على اذني فنمت ، فما أيقظني الّا مسّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما صنعت شيئا . ثمّ أخبرته الخبر . ثمّ قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فقال : افعل . فخرجت فسمعت حين دخلت مكّة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة ، فجلست أنظر ، فضرب اللّه على اذني ، فما أيقظني الّا مسّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر . ثمّ ما هممت بعدها بسوء ، حتّى أكرمني اللّه برسالته « 2 » . وقال ابن إسحاق : شبّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - واللّه تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ، لما يريد به من كرامة ورسالة ، حتّى بلغ أن كان رجلا ، أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم حسبا ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة حتّى ما اسمه في قومه الّا الأمين ، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق الّتي تدنّس الرجال ، تنزها وتكرما ، جمع اللّه فيه كلّ ذلك « 3 » .
--> ( 1 ) سهرة الليل . ( 2 ) الطبري 2 : 279 ورواه عنه أبن أبي الحديد 13 : 207 . ( 3 ) سيرة ابن هشام 1 : 194 ثمّ قال : وذكر لي : انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - كان ممّا يحدّث به عمّا كان اللّه يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال : لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما نلعب به ، فإني اقبل معهم وادبر ، وكلنا قد أخذ إزاره فجعله على عاتقه ليحمل عليه الحجارة فتعرّى ! إذ لكمني